لا شعر ولا بطيخ

August 31st, 2006

منذ القدم… كتب القلم… عنك يا شعوب البجم…

صمٌ قعودْ… تهوى العبودْ…ما أنتم إلا لمم

عبوس.. دسوس.. أشرافكم لصوص… أنذال تلبس العمم

تهان وتفرحي.. تلعبي وتمرحي… وأنت أسفل الأمم

  • Share/Bookmark
بينما نحن نجلس على شاشة التلفاز، نشاهد مباراة تجمع بين ألمانيا والأرجنتين، نقضم أظافرنا من شدة التوتر.. كانت هناك مباراة أخرى، بين شاب لم يتجاوز السادسة عشر من عمره، وجيش جرار من دبابات ومدرعات وجنود… كان يجلس وحيداً في تلك المقبرة، يفكر في خطوته التالية… وتسرح مخيلته في مونديال آخر… لم يكن يعلم وليد شحروري أنه في تلك اللحظات كان يسطر أسطورة جديدة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني… طوال عشرين ساعة لم يجرؤ جيش الجبناء من دخول المقبرة… طوال عشرين ساعة أرعب هذا الفتى جيش بأسره… حاولوا بكل الطرق إخراجه، أرسلوا أمه فودعها وأعادها إليهم بحسرة الأم على أبنها.. أرسلوا آلياً ليبحث عنه فما فادتهم خردتهم… وبقي هناك صادمداً ينزف دماً ولا يأبى الا الصمود.

وبعد أن تخلى أحياء هذه الأرض عن وليد… احتضنته أرواح الشهداء في المقبرة، كانت تقاتل معه وتؤنس وحدته… وعندما هدد جيش اليهود بقصف المقبرة عن بكرة أبيها بالطيران… لم يحزن على نفسه، بل حزن أن تهان كرامة الشهداء في قبورهم، فسلم نفسه وأبى أن يقتل الشهيد مرتين.

لا تحزن ياوليد.. فأنت رجل في زمن كثر فيه الجبناء… أنت مناضل في زمن كثر فيه الخانعون… أنت درس لأطفالي عندما يكبرون.. أنت الأمل الذي سنبقى به متمسكون. مهما حاول جبابرة الأرض وأذنابهم من تلويث إسم النضال بالإرهاب… فسيبقى نضال الشعب الفلسطني طاهراً من كل عار…

فالتحيا نابلس… ولتحيا غزة.. ولتحيا ترابك الطاهر يا فلسطين.. وليسقط المونديال…

  • Share/Bookmark
alphabet.gif
عدد الحصص المخصصة لمادة اللغة العربية من خمس حصص في الاسبوع إلى حصتين، بالإضافة لتقليص المقرر إلى ما يعادل الثماني بالمائة من حجمه الأصلي. وبغض النظر عن صحة هذا الخبر أو عدمه، فقد طرح هذا القرار قضية محورية تتعلق بلغتنا الأم وهي هل أصبحت اللغة العربية عاجزة إلى درجة تحتم علينا تقليص الاعتماد عليها والتوجه نحو استخدام لغات أخرى؟ لن أعطى وجهة نظر محددة في هذا الموضوع ولكني أطرح هنا عدة تساؤلات.

أولاً: إذا كان الخبر صحيحاً، فعلى أي أسس سيقوم المنهاج العربي الجديد؟ وهل سيكون بمقدوره تخريج أفواج قادرين على استخدام اللغة بشكل صحيح؟
ثانياً: أن اللغة العربية في الوقت الحاضر تعاني من عدم التطوير، وهذا يعود إلى عدة عوامل، ولكن أليس من الضروري الآن بدأ عملية تطوير للغة العربية بدلاً من الاستغناء عنها؟
ثالثاً: لماذا لا نسمع أي تعليق أو مبادرة من زمر المثقفين لمناقشة هذه القضية وأبعادها على المجتمع، ولماذا لا تناقش هذه القضية في البرلمان الذي لا تخلو فيه كلمة أي نائب من أخطاء في اللغة، هذا أصلاً إذا كان يعرف القراءة.
رابعاً: في يتعلق بالمناهج القديمة للغة العربية، فهي تعتمد بشكل أساسي على الأدب والتراث في تعليم اللغة من خلال القصائد والأشعار والروايات، ولكن ماذا عن تعليم اللغة العربية من خلال استخدامها في المجالات العملية، والتعاملات اليومية، كما تدرس اللغات الأخرى.
خامساً: بما أن إقتصادنا بدأ يبني جسوراً مع دول الخليج، أليس من الضروري أن تكون الكفاءات والخبرات قادرة على التعامل مع اللغة العربية بالشكل الذي يخدم السوق الخليجي والذي يعتمد على اللغة العربية بشكل أكبر.

كل هذه القضايا والأفكار تحتاج إلى طرح جدّي وتعامل بشفافية، لأن موضوع تقليص الدروس العربية قد يفسّر بطرق سيئة قد تصل إلى الاتهام بالتآمر على لغة القرآن الكريم. ولذلك فإن مثل هذه القضية يجب أن تناقش بشكل موضوعي وشفاف، وأن لا تمر مرور الكرام، حتي نصل إلى أفضل الحلول التي تحافظ على إرثنا وتساعدنا على التقدم نحو الأمام.

ومن جهة أخرى فإن المناهج القديمة أثبتت عدم فاعليتها، ولكن إذا تم تقليصها وبقيت تدرس بنفس الطريقة، فهذه مصيبة أكبر. وفي النهاية يجب أن نسعى جميعاً لإنشاء جيل قادر على تطوير اللغة العربية لتصبح عملية في أي زمان ووقت. مع الأخذ بعين الاعتبار أن التقصير ليس ناجماً عن اللغة العربية بعينها، وإنما ناجم بشكل أساسي على تقصيرنا نحن بالأساس، وعلى مدى تخلفنا الحضاري في زمن أصبحنا فيه غير قادرين على المساهمة بشكل فعّال في تطور الحضارة الانسانية.

  • Share/Bookmark
n35.png
سؤال يطرح واقع الأمة العربية بعد عشرات السنين من اغتيال الفنان الشهيد ناجي العلي. الصديق الحميم الذي رافقه حنظلة على مدى أعوام، وباستشهاد ناجي أصبح مصير حنظلة مبهماً يعيش تحت الظلال، كبيقية البطون العربية التي تمشي على الأرض.بعد استشهاد ناجي في لندن، أصبح حنظلة بلا عمل وواجه صعوبة في تمديد فترة إقامته في لندن، فاضطر بعدها إلى البحث عن دولة عربية تستقبله. ولكن المشكلة كانت أنه ليس بسوري أو أردني أو مصري، فهو كما قال عربي، وبما أنه لا يوجد وطن عربي فهو إذا بلا وطن. وبعد الكثير من الاتصالات والمعاناة، قبلت إحدى الدول العربية باستقباله. وعندما وصل حنظلة لتلك الدولة العربية، وجد نفسه بلا عمل، بلا هوية وحتى بلا سقف يقيه حر الشمس. فكان الرصيف سريره، وكانت ساندويشة الفلافل قوته اليومي، يشتريها بالنقود التي يكسبها من بيع العلكة على إشارات المرور أو مسح زجاج السيارات أو سؤال الناس على أبواب الجوامع.

بدأ بعدها حنظلة بجمع الخردة من الحاويات وبيعها في الأسواق. ومع مرور الوقت إستطاع أن يجمع القليل من النقود ويذهب إلى السفارة الكندية ليقدم هجرة. وبعد طول معاملات، وسنوات من الانتظار والتحويش، استطاع حنظلة أن يهاجر إلى كندا. وبدأ هناك يعمل في إحدى محطات الوقود.. وبعد فترة تعلم حنظلة مهنة تصليح السيارات وعمل في إحدى الورش.. ومرّت السنين وأصبح حنظلة يملك ورشته الخاصة، وتزوج حنظلة من فتاة كندية وحصل بعدها على الجنسية بسرعة.. ولكن ما لبث أن طلقها لأنها لم تفهم عادات وتقاليد العرب.”بالإحرى لم يرضى حنظلة من زوجته الكندية أن تمشي في الشارع بالشورت”. وتابع حنظله حياته في كندا، وبدأ ينسى اللغة العربية، وأصبحت لكنته العربية ثقيلة.

وبعد سنوات أصبح يملك عدة ورش لتصليح السيارات، بالإضافة إلى فندق وأسطول من التكاسي، ولكن حنظلة ظلّ حزيناً.. واشتاق إلى ناجي العلي، إلى بيروت والكويت.. إشتاق لساندويشة الفلافل والمخيمات.. إلى تلك الأرض التي غابت عنها الشمس…

قرر حنظلة أن يعود للبلاد، وكان يحلم بأن يتزوج فتاة عربية ويكوّن أسرة ويستقر. عاد حنظلة لتلك الإحدى العربية، وفي المطار خرج حنظلة بأكوام من الشنط والحقائب وهو يلبس بنطالاً من الكتان وحذاءاً رياضياً وقميص بولو أبيض، توقف قليلاً حينما إكتشف أنه لا يوجد أحد ليستقبله، نظر بحزن حوله بين حشود المستقبلين على أمل أن يجد من يعرفه، لكنه لك يجد، وتابع مسيره واستقل سيارة أجرة تقله إلى المدينة.

أشترى حنظلة أرضاً ومنزلاً ومزرعة، وبدأ رحلة البحث عن عروس، لكنه واجه صعوبة في أن يجد فتاة تقبل برجل من سنه، فهو لم يعد ذلك الفتى اليافع. بالإضافة لكونه يتيماً مقطوعا من شجرة. وبعد أن هد البحث عزيمته وجد أخيراً فتاة تقبل به. وتزوج حنظلة وأنجب ثلاثة أولاد وبنتان.

وعاش بعدها حنظلة منشغلاً بأسرته وأولاده، وكان يجلس كثيراً على شاشة التلفاز يتابع أخبار الجزيرة حتى يغلى الدم في عروقه وتأتي زوجته بعدها لتأنبه على كثرة المشاهد وتمنعه من متابعة المزيد من الأخبار. كان يخاف على أولاده كثيراً، و كان يمنعهم من التدخل في الأمور السياسية، ويعلمهم كيف أن عليهم الاهتمام بستقبلهم أولاً وأخيراً. كان لا يحب أن يقال عنه بأنه أب رجعى. وكان يحب أن يعطي أولاده الحرية الكاملة ما عدا التدخل في السياسة.

ومع مرور الوقت، كبر الأولاد وقرر حنظلة أن يتقاعد، وأصبح يستيقظ كل يوم في الصباح الباكر، يحاول أن يجد له عملاً في المطبخ أو المنزل، يقارع زوجته ساعات وساعات، ويمضي بقية اليوم في إنتظار غروب الشمس ليعود وينام.

وهكذا استمرت حياة حنظلة، بعيداً عن الأضواء، يمشي تحت ظلال الحيطان، حتى نسيه الكل، ونسي هو الكل.

هذه القصة تعكس وجهة نظري الشخصية عن أحوال العرب من خلال توظيف شخصية حنظلة، مع الاعتذار الشديد للشهيد ناجي العلي وأسرته التي تملك حقوق الملكية الفكرية.

  • Share/Bookmark

شعب الحوض

May 6th, 2006

fish-freedome.gif
عادل طبيب أسنان يهوي تربية الأسماك، وهناك، داخل العيادة جلست على مقعد العلاج وعلى جهتي اليسري كان حوض السمك الكبير، تسبح فيه الأسماك في ذهاب وإياب. لا أدري إن كان هذا تأثير المخدر الذي حقنه لي الدكتور عادل أم أنها لحظة من الأحلام. ولكني بدأت ألمح الأسماك تنظر باتجاهي ثم تتجاهلني. بعدها بدأت أسمع أصواتاً كنت متأكداً أنها لم تكن أصوات حفر للأسنان أو حديثاً من الدكتور عادل. وعندما نظر إلى الحوض وجدت جميع الأسماك قد تجمعت وكأنها تشكل مؤتمراً حزبياً للتباحث في أوضاع سكّان الحوض. كانت الأسماك تتحدث جميعاً في آن واحد وكان الضجيج يملأ الحوض، إلى أن قامت سمكة كبيرة بألوانها النارية التي تشع كقرص الشمس بإيقاف جميع الأصوات وبدأت بالتحدث مخاطبة الجميع.

كان الغضب يعم أجواء الحوض.. ولم أكن أدري لما كل هذا الغضب. وعندما بدأ خطاب تلك السمكة تناسيت آلام أسناني ورحت أنصت للحديث لعلي أفهم ما يحدث هناك.

- أيها السمك العزيز… أننا وبلا شك حققنا في الفترة الأخيرة إنجازات عظيمة في بقاءنا أحياء داخل هذا الحوض، وأننا بلا شك أضفنا مساهمات كبيرة في إظهار صورة مشرقة لهذه العيادة. وبالتأكيد فإننا أصبحنا من أهم الركائز التي تقوم على نجاح عمل الطبيب…

وبينما كانت السمكة الكبيرة تتحدث، قاطعتها أحدى السمكات الصغيرة وقالت…

- نريد حرية التعبير عن أنفسنا.

سكتت السمكة الكبيرة وبدا الوجوم على وجهها ضاهر، ثم ما لبث أن تحول هذا الصمت إلى معمعة من النقاشات…

- ولكن السمك ليس له صوت.
- ومن قال أن السمك ليس له صوت، أننا الآن في القرن الواحد والعشرين، يجب أن يكون للجميع صوت حرية التعبير.
- نعم ولكن، نحن لا نستطيع الكلام… لم نخلق بحانجر..
- نتحدث من خياشيمنا…
- نركب أجهزة إلكترونية تساعد السمك على إخراج الأصوات
- نريد أن نتفس فوق الماء…
- نعم نريد أن نتحدث بحرية…. نحن في هذا الحوض وكأسماك تعاني من ضغوطات الحياة نريد أن نتحدث بحرية.
- نعم الحرية…
- نرفض مبدأ السمك الكبير يأكل الصغير..
- كل سمكة لها الحرية في الزواية التي تسبح فيها.
- نريد توزيعاً عادلاً للطعام.
- نريد تنظيفاً مستمراً للحوض.
- إضاءة أقوى إذا أمكن…. مع موسيقى كل صباح.

واستمرت المطالب، حتى أنني وصلت إلى مرحلة لم أستطع فيها مجاراة الحديث. ثم قام سرطعون عجوز، وطقطق بمكالبه حتى يوقف الهرج ويستمع له الجميع.

- إنكم تطالبون بحرية الكلام وأنتم لا تستطيعون الكلام… تطالبون بالحرية وأنتم سجناء، وفوق كل هذا تريدون تحسين السجن بدلاً من المطالبة بالخروج منه… كيف تطالبون بما لم تخبروه من قبل… ومن من تطالبون!!

سكت الجميع… ثم فجأة صاحت إحدى الأسماك.

- لا للحوض… نعم للبحر
- ثورة.. ثورة حتى النصر

وهاج جميع من في الحوض.. وبدأت الأسماك تثور وتجور، وتصيح وترفرف زعانفها بقوة… وتسبح بسرعة لترطم نفسها بجدران الحوض، وتحمل الحجارة وتلقيها على الزجاج. إستوقفني حينها الطبيب عادل وقال لي…

- عن إذنك يبدوا أن السمك قد جاع.

أخرج الطبيب علبة طعام الأسماك من الخزانة المجاورة للحوض، فتح سقف الحوض وبدأ يرش حفنة صغيرة من الطعام على الماء.

نسيت الأسماك موضوع الثورة والحرية وأنطلقت جميعها نحو الطعام تتقاتل عليه لتأكل… وبعد أن انتهت من الطعام عادت تسبح بهدوء وكأن شيء لم يحدث.

عندما انتهيت طلب مني الطبيب أن أتمضمض. وبعد أن شرب القليل من الماء قال لي

- هل تعلم أن ذاكرة الأسماك قصيرة لا تتجاوز دقائق أو ثواني…

خرج الماء من فمي كما يخرج من ماسورة مفجورة وبدأت أضحك كالسكران. غادرت العيادة تاركاً إبتسامة إستغراب على وجه الطبيب عادل، ولم يكن يعلم أني قد شهدت أقصر ثورة في التاريخ.

وائل عتيلي

  • Share/Bookmark
دخيلكوا ياولادي لا تتضاربوا، الأرض تبكي عليكم.. والحجر عزّت عليه نفسوا يآذيكم. إنتوا يا إمي اللي باقي من الأمل، إنتوا دم الأرض. ويلي يا إمي إذا ذبحتوا بعض، يشمت الغاصب ويكمّل نهب. لا يا إمي لا إمي. إذا الكبار شتموا بعض، لا تسمح لأيدك تزيد اللهب. . دم العزيز غالي وكرامته من ذهب.
  • Share/Bookmark
كعجور مضى من عمره سبعون عاماً، جلس يحدق في الشارع من على شرفة منزله يسترجع الماضي ويراقب الأشياء من حوله كأنها مسرحية تعرض أمامه. وفي كل يوم يمر شابٌ أمامه، يسير في الشارع وكأنه يبحث عن شيء أضاعه . يمشي هنيهة وينظر إلى أسفل، على اليمين أو الشمال، ثم يذهب بعيداً. ولفترة طويلة ظل العجوز يتساءل عما أضاعه ذاك الشاب. واليوم قرر العجوز أن ينزل إلى الشاب ويسأله عمّا يبحث عنه لعله يستطيع تقديم العون له. مرّ الشاب كعادته ووجد العجوز يستوقفه. فسأله العجوز.
- عما تبحث يا بني؟
- لا أدري يا عمّي، شيء أنا متأكد أني أضعته.
- أضعته هنا؟
- نعم، هنا… على هذه الأرض وفي هذا الزمن.
- حيرتني يا بني.. بالله عليك ماذا أضعت..؟
سكت الشاب.. همهم ثم تنهد
- لا أدري، ربما ضميري، ولكن الضمير يباع ويشترى. أو ربما هويتي، لكن الهوية تتغير. أو يجوز أني قد أضعت وقتي، مع أن وقتي ليس بيدي. ولكني متأكد أن الذي أضعته ليس الشرف ولا الصدق ولا الأمانه أو أي من تلك الأشياء. ربما أضعت وطني، ولكن وطني ضاع بداخلي وما دام في داخلي فلا بد ان اجده يوماً. يبدوا أنني اليوم أدركت أن الشيء الذي أضعت هو أني اضعت السبب الذي جعلني أبحث عما أضعت. ووجدت الشيء الذي يجب أن يضيع. على العموم يا حج شكراً على المساعده.

- طيّب يا عمّو، إذا وجدت شيئاً سأحتفظ به لك. أنا أسكن في هذا البيت المجاور…

ثم ذهب الشاب وكانت آخر مرّة يراه فيها العجوز الذي عاد إلى شرفته وجلس يدعوا للشاب بأن يجد ما أضاع، ثم نام.

  • Share/Bookmark

rayyes.gif

سأخلط في هذا المقال الفصحى بالعامي، لأنه صراحةً ما نابني من الأمر إلا ما همّني… في الحقيقة أحمد الله أنّه لم يخلقني ملكاً ولم يجعلني رئيساً أو وزيراً وجعلني من الشعب مسكيناً. الحمد لله الذي لم يجعلني أهكل هم وغم الناس، والشكاوي التي لا تنفع ولا تضر. ولم يجعلني أبحث عن ولاء أو رياء ممن حولي من الأعوان والأعيان.. الحمد لله الذي لم يجعل جيوب بنطالي مخزوقة… تبلع أموال الناس ولا تمتليء كأنها أخشاب محروقة… الحمد لله الذي كفاني هم صرف الكنوز والأموال وجعلني بسيط الحال. الحمد لله الذي أبعد عنّي هم القرارات ومحاضر الاجتماعات وما تحت الطاولة من صفقات. الحمد لله الذي لم يجعلني مسؤولاً عن مئات الموظفين الذين لايعملون، ويأكلون ولاينفعون، ويشتكون ولا يصلحون. الحمد لله الذي أراح قدمي من دعس رقاب الناس، وكفّي عن خدود الناس، وظهري من حديث الناس، وأذناي من نفاق الناس.. الحمد لله الذي أنامني مرتحا، لا أخاف طعنة ولا سمّا. وجعلني أسير في الأسواق، لا أخاف زحاماً ولا ركابا. الحمد لله الذي أبعد عنّي الجلوس على الكرسي حتى لا أصاب بالباسور والغرور والعبوس. وأبعد عنّي القصور حتى لا أتوه. لك الحمد يارب… جعلتني بسيطاً لا أهكل هم المؤامرات والخيانات، ولا هم الخطط والاستراتيجيات، أوالسفر والخطابات، أوالشجب والاستنكار، أوالحرب والسلام، أو تصفية الحسابات.

الحمد لله الذي جعلتني من الشعب، محكوماً لا أهكل هم أخذ القرار، مأموراً لا أملك من الأمر شيئاً. الحمد لله الذي جعلتني فقيراً لا أعرف كيف تصرف الأموال. الحمد لله الذي جعل الدينار كنزاً والخبز نعيماً والشبع مرةً كل شهر بطراً. الحمد لله الذي جعلني جباناً لا آكل علقة الشجاع… الحمد لله الذي أبعد عنّي القيل والقال وكثرة السؤال. الحمد لله الذي جعل مالي ملك غيري وداري بيت جاري. الحمد لله الذي أبعد عنّي هم التطور… وصداع العلم… وزناخة الثقافة… الحمد لله أن فقدت الأمل وكرهت العمل ونسيت كيف أفكّر.. الحمد لله أني أناني لا أبالي ولا من الخير أعاني. أحمد الله أني مع الشعب محبوس، أقول إقطع يا قطّاع الرؤوس. الحمد لله الذي كما خلقني أماتني… الحمد لله الذي خلقني ولم ولن أكون شيئاً. الحمد له بعد أن تمسحنا وفقدنا كل إحساس، فلا برد يقرصنا ولا حرٌ يفقعنا ولا مصيبة تهزنا… ولا حتى إهانة تحركنا… الحمد لله..

اللهم أدمها من نعمة واحفظها من الزوال…

  • Share/Bookmark

خرج ابن الوزير إلى الشارع وبدأ بالسباب على أم الخبّاز، يصفها بالعهر والسفاله. خرج الخبّاز غاضباً يسأل لماذا هذا السباب. أجابه إبن الوزير: أحببت أن أجرب صوتي فقط ولم أكن أقصد إهانتك… فرح الخباز بذلك، فابن الوزير له حق التعبير، وعاد ليكمل عجينه وهو مطمئن أن كرامة أمه لم تصب بشيء. سأل الجميع، لماذا أم الخباز دوناً عن غيرها؟!

  • Share/Bookmark
وصل جابر إلى مكان عمله في الصباح الباكر، وكعادته دائماً، يحضر جابر فنجان قهوته ويجلس في غرفة الاستراحة يقرأ عناوين الصحف الصادرة في ذلك اليوم. يجلس ويدخن ويقرأ بسرعة أبرز العناوين دون أن يدخل في تفاصيل المقال. أما هذا الصباح فقد لفت انتباهه عنوان يقول ” الرئيس: إن جميع المواطنين في هذا البلد العزيز يتمتعون بكافة أشكال حرية التعبير والديموقراطية السليمة”. تنهنه جابر ورمى بأوراق الصحيفة على المقعد المجاور، ثم ذهب إلى مكتبه ليتابع عمله.

وبعد أن انتهى جابر من العمل، ركب سيّارته وانطلق عائداً إلى بيته وهو مازال يفكر في مقولة “الرئيس”، كأنها أغنية علقت في باله وبقي يرددها طوال اليوم بلا وعى. وفجأة، قطعت إحدى المركبات الطريق أمام جابر، وكادت أن تصطدم بسيارة جابر. فزع جابر وتملكه الغضب فبدأ بالصراخ على سائق تلك المركبة. غمز السائق لجابر وهديء السرعة كأنه يقول لجابر توقف لنتفاهم. فهم جابر الإجراءات المعهودة وغمز هو الآخر وحضّر نفسه لشجار عنيف.

توقفت المركبتان ونزل كل من جابر والسائق الآخر، سار كل منهما باتجاه الآخر بخطوات سريعة وعيون تتطاير منها الشرر، بدأ جابر بالصراخ على الرجل.
- شو يا زلمة… فتّح.. شو هالسواقه
- شو يا بو الشباب…
- شو !! بقلك هذي مش إسواقه… كيف تكسر علي؟
- بكسر على عشرة زيّك
- صحيح إنّك وقح وحمار إسواقه!
- حمار!
بعدها أصبح المشهد أبيضاً في وجه جابر، وخده الأيسر بدأ ينمنمه، ولما أفاق جابر من الصدمة إكتشف أنه قد تلقى الكف الأول على خده تبعتها ركلات من هنا وهناك. ثم قام الرجل بجر جابر نحو سيارته وأخرج من جيبه جهاز إرسال وكلبشات استقرت على رسغي جابر. يقول جابر أنه في تلك اللحظة لا يذكر سوى صوت وشّات جهاز الإرسال الذي لم يوفّر ذلك الرجل استخدامه في ضربه.

- ما علينا !

بعد أن استفاق جابر، وجد نفسه في ممر إحد المباني وهو مربوط على كرسي، وقد رأى الرجل الذي ضربه يتحدث إلى رجل من رجال الأمن. إقترب رجل الأمن من جابر، وعندها حاول جابر الاستفسار..

- سيدي…
وقبل أن يكمل جابر، عاد إليه نفس المشهد، شاشة بيضاء، وخدود تنمنم.

- بدك إتخرّب أمن البلد يا حيوان !!..

قالها رجل الأمن بعد أن سبقت يده لسانه..

- ياسيدي شو أخرب ما أخرب..

لفظ جابر حرف الباء من هنا فتبعه كف ثاني، وثالث ورابع.

- مين إللى وراك ولا؟؟
- الحيط سيدي..
- وابتعرف تتخوث كمان..
- يا سيدي أنا آخر إشي بذكره أنو هذاك الزلمة كسر علي وانزلنا نتفاهم.
- طب ليش رميت الجريده اللي عليها صورة الرئيس.. أصلاً إحنا عارفين إنّك إتمسخرت على الرئيس في عقلك.. شو مش مصدق إنو في عنّا ديمقراطية..
حينها لم يستطع جابر الكلام، وكأن لسانه كتلة معقودة أو أن شفتاه التصقت ببعضهما… خاف جابر أن يفكر أكثر.. كل ما كان يدور في عقله هي ذكريات عن طفولة بريئة.

- أنا راح أفرجيك الديموقراطية..

رفع رجل الأمن يده في السماء، ومشهد الصفعات المعهود بدأ بالظهور أمام عيني جابر قبل أن ينزل الكف على وجه. حينها استفاق جابر على نفسه وقد سكب فنجان القهوة على قميصه.. لم يهتم لذلك ولكنه خاف أن يصيب الجريدة شيء من القهوة.. وضعها على رف المكتبة.. ثم ذهب إلى الحمام ليغتسل ويتابع عمله.

مع أن القصة ليس لها علاقة بأقوال الرئيس والديموقراطية أو حرية التعبير، ولكن هذه الحادثه جعلته يخاف حتى من التفكير في هذا الموضوع.. فكلما جاءته خواطر عن الديموقراطية حاول إبعادها بالتفكير في الطبيخ أو في أحلى فتاة شاهدها في حياته.

  • Share/Bookmark